أرشيف الشعراوي

أصناف الناس في سورة البقرة وخطورة ظاهرة النفاق

سورة البقرة · الآية 19 · تفسير سورة البقرة — الآية 19 · 4:05 – 13:44

نص الفقرة — تفريغ آلي

نتائج من التفريغ الآلي — قد تحتوي على أخطاء

الى القسم الثاني الذي عالجته سوره البقره وهو قسم الكافرين. وقلنا ان الحق سبحانه وتعالى تكلم في هذه السورة عن ثلاثة أصناف. صنف آمن وقد عالجه في ثلاث آيات، وصنف كفر وعالج أمره في آيتين، وبقي صنف ثالث هو تكملة التقسيم الطبيعي لمواجهة أي دعوة حق فدعوة الحق دائما لا تنزل من السماء إلا عند شراسة الباطل، وجاء الإسلام والباطل في منتهى شراسته، لأن الباطل حين يشدو في الشراسة، قد يعتمد على بعض البيئة ليعدل ميزان هذه الشراسة، بمعنى أن يوجد قوم مبطلون ويوجد في نفس الوقت قوم يعدلون هؤلاء المبطلين إلى منهج الحق، وتلك مرتبة ثانية في علاج آفات المجتمعات، لأن المجتمعات تنقسم إلى ثلاثة أقسام، مجتمع يعصى الفرد فيه بنفسه الأمارة بالسوء، ثم تستيقظ نفسه المطمئنة أو نفسه اللوامة لتلوم عليه تصرفه مع نفسه الأمارة بالسوء، وحينئذ يوجد في الإنسان لونان، لون أمار ولون لوام. وذلك المجتمع مجتمع فيه خميرة الاطمئنان إلى استبقاء الخير في ذات الناس. ولكن قد يوجد في الناس نفوس غير لوامة. فيأتي القوم الآخرون من أصحاب النفوس اللوامة ليلوموا غيرهم على تصرفه. إذا فالقسم الأول اللوم من النفس للنفس. تستيقظ النفس اللوامة على النفس الأمارة فتعدل مزاجها، النفس في النفس بدون تدخل من المجتمع الخارجي. ولكن المجتمع الثاني مجتمع تأتي فيه نفوس أمارة بالسوء دائما، لا لوامة فيها، فيأتي قوم يستبقيهم الله لاستبقاء عنصر الخير ليوجهوا الناس إلى الخير. ويأتي قسم ثالث وهو الطامة الكبرى في المجتمعات، أن يعم الباطل كل الناس، فلا تجد نفساً لوامة، ولا تجد إلا نفوساً أمارة، حينئذ يتدخل منهج السماء لأن البشر لم يستطيعوا أن يقيموا إعوجاج البشر. إذا فالسماء لا تتدخل إلا حين يكون الباطل في شراسة. وحين يكون الباطل في شراسة ويأتي الحق، لا تظنوا أن الباطل يستسلم للحق، ولكنه يحاول أن يستبقي لنفسه الشراسة. وفي هذا الوقت يواجه الحق بقوى، هذه القوى إما قوى سافرة العداء، وإما قوى مستخفية العداء. النفس البشرية تحب أن تكون قوية، ولكن حبها للقوة في ذاته يختلف، فنفس ترى أنها تقوى على سواها، ونفس أخرى ترى أن قبل أن تقوى على سواها تقوى على نفسها، وفيه نفوس لا تقوى على نفسها ولا تقوى على ما سواها. فالمؤمن قوي على نفسه فألزمها بمنهج الله، وقوي على أن يواجه شراسة الباطل، ففيه قوة داخلة ضد نفسه الأمارة، وفيه قوة خارجة ضد شراسة الباطل، فالمؤمن تجتمع له القوتان، ولكن الكافر تجتمع له قوة واحدة لم يقوى على نفسه ليحملها على منهج الله وانقوي على دعوة الباطل ليواجهها وفيه صنف آخر لا يقوى على نفسه ولا يقوى على دعوة الحق أن يهاجمها إذا فهو معزول القوتين هؤلاء هم المنافقون المنافق لم يقوى على نفسه ولذلك لم يستطع أن يقبل دعوة الحق، لأن نفسه شرسة راضها الباطل رياضة عنيفة، فلم يقوى هو على أن يتبع جماحها من الميل إلى الباطل. وليته كان قويا على دعاة الحق ليواجههم، بل أشفق منهم وخاف منهم. فأعلن الإيمان بالحق ظاهرًا، لأنه لا قوة فيه على مواجهة هذا الحق. وأيضًا لا قوة له على مقاومة نفسه والقدرة عليها ليؤمن بهذا الحق. وهؤلاء أخطر قسمين، أخطر من الكافرين، لأن الكافر عاند بصراحة. وعاند بكل وضوح، وجعل القوة الحقية تقف أمامه وقوفا ظاهرا غير مستور، ولكن المنافق الذي نافق القوة الحقية، فادعى أنه معها لتستنيم إلى أن قوتها قد زادت، وليته يدعي أنها معها فقط، أنه معها فقط، لكن في الباطن هو عليها، فكأنه حارب الحق من وجهين، الوجه الأول أنه جعل الحق يعتبره سيفا معه، ومن ناحية عدم اقتناعه وإيمانه ودسه، سل سيفا آخر على الحق، إذا فهنا سيفان، سيف إيجابي ظن ظنت قوة الحق أنه معها، وسيف سلبي سلب منها، كما يكون لك خصم ومعك سيف ومعه سيف، ثم اخذت منه انت السيف، لا يقال انه نقص سيفا، وانما يقال انه نقص سيفين، لانك اصبحت ذا سيفين وهو بلا بلا سيف، اذا فقوة النفاق لشراستها هذه وعملها في الظلام وعملها في الجهات المضببة كانت أخطر على الإسلام من قوة الكفر. لذلك تجد أن الحق سبحانه وتعالى حين عالج المؤمنين بثلاث آيات، وعالج الكفار بآيتين، عالج مسألة النفاق في ثلاث عشرة آية. لأن مظاهر هذا النفاق مظاهر متعددة، لأنه في الأصل حقيقة ملونة. فلا هي قوية شجاعة تجاهر بمعارضة دعوة الحق، ولا هي قوة راضت نفسها على أن تؤمن بالحق. إذن فقد أخذت الأمر من جهتين.

موضوعات هذا المقطع (7)

  1. تفسير المثل المائي في قوله تعالى: أو كصيب من السماء · 0:00
  2. أصناف الناس في سورة البقرة وخطورة ظاهرة النفاق · 4:05
  3. معية الله وسنة الأخذ بالأسباب وعبرة غزوة أحد · 13:45
  4. أسباب ظهور النفاق في المدينة وتحالفه مع اليهود · 18:07
  5. ازدواجية وتناقض عبد الله بن أبي بن سلول مع كبار الصحابة · 21:49
  6. سعة رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وموقفه من الصلاة على ابن سلول · 26:15
  7. تفسير قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين · 29:21