أرشيف الشعراوي

تجليات قيام الله بالقسط في قوانين الخلق وأحكام التكليف

سورة آل عمران · الآية 18 · تفسير سورة آل عمران — الآية 18 · 14:57 – 21:59

نص الفقرة — تفريغ آلي

نتائج من التفريغ الآلي — قد تحتوي على أخطاء

ما دام الله قد شهد لنفسه بأنه إله واحد، أي لا يوجد له شريك ينازعه فيما يريد من خلقه، ليس له شريك في الخلق، وليس له شريك في الرزق، وليس له شريك في التشريع، إذن فالجهة التي نستمد منها مقومات منهجنا هي جهة واحدة، والجهة الواحدة كان من الممكن أن تجور على ما خلقت لأنه ليس لأحد من خلق الله حق على الله، ولكن الله الواحد طمأننا على هذه الوحدانية بقدرتها وجبروتها وعلمها وحكمتها بأنه قال: مع أني إله واحد لا يرد لي حكم ولا أمر فأنا قائم بالقسط. والقيام بالقسط يجب أن نفهم قائمًا بالقسط. قائم يعني خلقه الأول قام على العدل والقسط. وتكليفه للخلق قام على العدل والقسط. والعدل والقسط يقتضي ميزانًا لا ترجح فيه قفة على قفة، وهو ممسوك بيد القدرة القاهرة التي لا توجد قوة أعلى منها تميل في الحكم، فهو قائم بالقسط في الخلق، قبل أن يخلقنا أعد لنا ما تتطلبه حياتنا بالقسط أيضًا. فلم يجعل أمر الحياة قائما على الأسباب التي يكلفنا بها لنعيش بل حكم بالقسط، جعل هناك أمورا لا دخل لنا فيها ولم يقضي بذلك على حركتنا ولا على حريتنا في الحركة فخلق أسبابا إن شئنا أن نفعل بها وصلنا إلى المسببات وإن شئنا ألا نفعل نترك الأسباب والمسببات إذا فهو لم يحكمنا في قضية الخلق الأولى بشيء واحد بأن يجبرنا على كل شيء، بل جبرنا بأنه لم يدخل أسبابنا ولا حركتنا في كثير من الحركات التي تترتب عليها الحياة، فلم يمسك الشمس بأيدينا ولا القمر ولا الريح ولا المطر ولا كل هذه الأسباب جعلها بيده هو. لماذا؟ لأنها ستفعل لك قبل أن توجد لك قدرة، وتفعل لك قبل أن توجد لك حياة لتمهد للحياة التي تأتي بها، فلو ترك كل هذه الأشياء لأسبابك لتأخرت إلى أن توجد ويوجد لك علم ويوجد لك قدرة. جعل أسباب الحياة كالنفس مثلاً لا يخضع لإرادتك، لأن خضوعه لإرادتك كان معناه أن يتأخر النفس إلى أن توجد لك إرادة. ولا توجد الإرادة إلا إن وجد علم بأنك تريد أن تدخل أكسجين علشان تأثر الدم، وهذا يقتضي العلم. فإذا كان هذا يقتضي العلم فماذا يصنع الطفل الذي ليس له علم؟ إزاي يعمل؟ إذا فجعلها بيده هو، ولكنه لم يقض على مخلوقه بأن يجعله في الكون لا حرية له ولا اختيار، بل ترك هناك أشياء أخرى لحريته واختياره. إذا فهو لم يلزم تسخيرًا، ولم يمنع تخييرًا، ذلك هو العدل المطلق، احترم كينونتك، احترم حياتك، احترم مشيئتك، احترم اختيارك، فقال: أنا سأعطيك أسباب الحياة الضرورية ولا أجعل لك دخلًا فيها، لأنك إن تدخلت فيها أفسدتها، وتأخر خدمتها لك إلى أن تعلم، أنا أريدها لك وأنت عاجز قبل أن توجد لك وأنت قادر. فجعلتها بيدي انا الخالق المأمون على خلقه. ولكن لن اقضي على حريتك، فإن أردت ارتقاء في الحياة فتحرك في الحياة. إن شئت أن تفعل فلا افعل، وإن شئت ألا تفعل فلا تفعل. إذا فهذا عدل ولا غير عدل؟ بعدل تمام. ثم جاء في التكليف وجعل قوله قائما بالقسط أيضا في التكليف. أناس يقولون لا إله وأناس عددوا الآلهة. فقام بالقسط بين الامرين. هو اله موجود يا من تقول لا اله ولكنه غير متعدد يا من تقول فيه شرك. يبقى وسط. وقف قائما بالقسط ولا لا؟ قائم بالقسط وجاء في الاحكام احكام شرعيه طلبها منك طلبا بتا لم يتركها لاختيارك واشياء تركها لتجتهد فيها فلم يجعلك حرا طليقا وتعربده في الكون كما تشاء، ولم يجعلك مقهورا بحيث لا توجد لك لا إرادة ولا اختيار، فجعل لك مجال هنا ومجال هنا. أراد منك حركة في الحياة، ولكنه قال لك تحرك في الحياة وأنا أحمي نتيجة ما تتحرك فيه، ولكن لي في مالك الذي جعلتك فيه خليفة حق أعطيه لأخيك المحتاج. إذا فأعطى للنفس البشرية أن تكد، وأعطى لها أن تكدح، وحفظ لها ما تملك، ولكنه لم يطلقها على عنانها بل قال لي حق في ذلك، فتوسط أيضا في الأمر. إذا قائم بالقسط يمشي تمام في كل شيء، في الخلق، في الرزق، في التكليف. فما دام هو إله واحد وقائم بالقسط، يبقى ما الذي يمنعك أن تخضع لمراده منك؟ إذن نتيجة

موضوعات هذا المقطع (5)

  1. دلالة شهادة الله لنفسه بالوحدانية ويقين النبي بعصمة ربه · 0:00
  2. شهادة الملائكة وأولي العلم بوحدانية الله ودلائلها الكونية · 3:39
  3. معنى «قائما بالقسط» وحكمة توزيع المواهب وحاجات الخلق · 5:19
  4. دلالة تكرار نفي الشريك وبيان معاني «العزيز الحكيم» · 10:38
  5. تجليات قيام الله بالقسط في قوانين الخلق وأحكام التكليف · 14:57