أرشيف الشعراوي

مراجعة الآيات السابقة من سورة النبأ ودلائل القدرة الإلهية

سورة النبإ · الآية 12 · تفسير سورة النبإ — الآية 12 · 0:00 – 7:52

نص الفقرة — تفريغ آلي

نتائج من التفريغ الآلي — قد تحتوي على أخطاء

الحمد لله كما علمنا أن نحمد، وأصلي وأسلم على خير خلق سيدنا محمد وبعد. فقد انتهينا في لقائنا السابق عن بعض خواطرنا حول سورة عما تساءلون، وبينا كيف استهلت السورة بالاستفهام المفخم المعظم، وما يشمله من تعجب من استفهام أو من سؤال. فقال سبحانه عما تساءلون؟ استعجاب كيف يسألون هذا السؤال؟ ثم أخبرنا فقال عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، وكلمة النبأ العظيم توحي بأنه أمر بلغ من العظمة بحيث يكون ظاهرا وواضحا بحيث لا يجب أن يتساءل عنه، لأن الله الذي أبدع الخلق بقدرته وأودع في الكون أسراره بحكمته، لا يمكن أن يكون ذلك الأمر عبثًا، يفسد المفسد فيه ويصلح المصلح فيه بدون رجوع إلى محاسب يجازي كل إنسان عما قدم. وبعد ذلك أخبرنا أن الحق سبحانه وتعالى بعدما قال ذلك، أخبرنا أنهم سيعلمون ثم يعلمون، فإذا كانوا قد أنكروا أو ارتابوا في علم يقين صادر عن الله فإنهم سيعلمون عين يقين وسيعلمون حق يقين. سيعلمون علم يقين عين يقين حينما يفجأهم الموت وما فيه من مشاهد كانت كان حسهم لا يراها فأصبح حسهم يراها. حينئذ يعلمون صدق الحق فيما أخبر به من قوله فبصرك اليوم حديد وبعد ذلك سيعلمون حق اليقين حينما يفاجؤون بالبعث وهم بين يدي ربهم يحاسبهم على ما قدموا بنعمة. وبعد ذلك قلنا إن الحق سبحانه وتعالى حينما يعرض قضية غيبية يأتي بالدليل عليها من القضايا المحسة ليجعل الشاهد عين الدليل على الغايب. فقال ألم نجعل الأرض مهادا وهذا أمر لا يشك فيه، والجبال أوتادا، وخلقناكم أزواجا، وجعلنا نومكم سباتا، كل ذلك آيات لا يشك فيها شك، ولم يدع مدعٍ أنه أوجدها أو خلقها، إذا فالدعوى تصير لله إلى أن يثبت مدعٍ آخر يقوم بدليل وببينة على أنه هو الذي جعل الأرض مهادا، وجعل الجبال أوتادا. وحيث لم يجئ مدعم بهذه الدعوة فستظل المسألة منسوبة إلى من قال إني أنا الذي خلقت إلى أن يوجد معارض آخر يقول لا بل أنا الذي خلقت بدليل أقوى من دليل الأول. والحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم عن مظاهر قدرته وحكمته في كونه يبدأه بقولي ألم نجعل الأرض نهادا وكلمة نهاد توحي بانه الفراش الوطيء المعد للطفل كالمال. وما دام مهدا فكان الحق سبحانه وتعالى علم ان خلقه الاول سيستقبل الحياه التي يحياها بطفوله عقليه، فلا علم له بشيء، ولا يستطيع ان يفكر ليبذر ويحرث، فلا بد من ان يعد له مقومات الحياه الى ان يبدا له تفكير فيستطيع بعد ذلك ان يزرع وان يحرث وان يبذر. فكلمة مهاد تشي بهذا، وأيضا كلمة مهاد تشي بالطفولة الأولية، والطفولة الأولية أول ما يبدأ فيه الإنسان من حركة الحياة هو ظاهرة التنفس. أول عملية قبل أن يأكل وقبل أن يتحرك أي شيء فيه تتحرك رئته. ولذلك إذا كان الوليد أو الجنين منكوسا يعني رأسه إلى الداخل ولم تبرز أول ما تبرز تعرض الوليد للاختناق. لانه بمجرد ان ياذن الله سبحانه وتعالى للجنين ان ينفصل خلقا اخر عن امه فلابد له من حياه ذاتيه. كانت حياته اولا تبعا لحياه امه، والان تبدا له حياه ذاتيه، فما لم يخرج وجهه وتتعرض انفه لاستنشاق الهواء لتؤدي الرئه مهمتها في عمليه التنفس فانه يموت. اما اذا خرجت الراس وامكنه عمليه التنفس يطول وجوده في بطن امه او لا يطول هذه عمليه اخرى. ولذلك قلنا ان الحق سبحانه وتعالى حينما قال: ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا، قلنا ظاهرة الوتديات في الأرض كما أنها لترسي الأرض حتى لا تميد من الحركة، قلنا أنها عامل مساعد للجاذبية الأرضية التي تجذب قبة الهواء الضروري للإنسان. ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا، وبعد ذلك تشي إلينا أن الحق قبل أن يخلق الخلق مهد لهذا الخلق الحياة وأولياتها، ففراش كمهد الطفل ثم جبال كالاوتاد عامل مساعد على حفظ الهواء الذي هو الضرورة الأولى في الحياة، وبعد ذلك خلقنا أزواجا. إذا فأعد لخلقه مقومات الحياة قبل أن يخلق ذلك ذلك الخلق. خلقناكم أزواجا للسكن وللمودة وللرحمة وللإنسان أيضا. وخلقناكم أزواجا وبعد ذلك تكلم الحق عن ظاهرة هي ظاهرة النوم. والنوم كما قلنا آخر ما انتهي إليه أنه ردع طبيعي في الجسم يؤذن الجسم بانه لم يعد صالحا لحركه الحياه، فليعتزل حركه الحياه قسرا عنه وينام، فاذا ما نام وارتاح عاد تفاعله الكيماوي الى طبيعته ثم قام نشيطا فاستانف حياه اخرى، ولذلك ياتي النوم قسرا عن الانسان، يتحيل الانسان عليه فلا ياتي ولكنه يفجئه فيكون نوما لا يعرف كيف بدأ به، هذا ردع ذاتي بان الاله الانسانيه لم تعد صالحه لمواجهه حركه الحياه. فلتنقطع عن الحياه، فلذلك جعل الله النوم سباتا، وبعد ذلك جعل الليل لباسا، سترا لنا، وهذا الستر له فوائده الكثيرة، أن الإنسان حينما يخلو بنفسه يحب في نومه ألا يطلع عليه أحد، لأنه في نومه ما دام فاقد الوعي قد تصدر منه أشياء لا يحب أن يراها عليه أحد، فجعل الله سبحانه وتعالى الليل لباسا، وأيضا فهناك ضروريات حركية أيضا، تقتضي وجود اللباسك أن تباغت عدوا أو أن تبيت له حتى لا يراك بما تعد له، إذا فله ضروريات في وجود الستر وضروريات في وجود الأعداء ومجابهتهم بحيث لا يرونك في فعلك. وجعلنا الليل لباسا، وجعلنا النهار معاشا، وهذا أمر واضح كما قلنا فيه لحركة الحياة.

موضوعات هذا المقطع (5)

  1. مراجعة الآيات السابقة من سورة النبأ ودلائل القدرة الإلهية · 0:00
  2. تفسير «وبنينا فوقكم سبعا شدادا» ومنهج التعامل مع الغيبيات · 7:53
  3. الرد على حصر السماء في الكواكب وتوضيح الفروق القرآنية بينها · 12:04
  4. سعة الكون ودلالة وصف السماء بالبناء وبراهين المعراج · 17:45
  5. ضوابط التوافق بين القرآن والعلم والتحذير من التعجل في تأويل الغيب · 21:34