أرشيف الشعراوي

حكمة إرسال الرسل وضبط حركة الإنسان بمنهج الأمر والنهي

سورة الأنعام · الآية 20 · تفسير سورة الأنعام — الآية 20 · 8:10 – 14:25

نص الفقرة — تفريغ آلي

نتائج من التفريغ الآلي — قد تحتوي على أخطاء

هذا كلام يريد الحق به سبحانه أن يخبر أهل مكة أن الصيحة الإيمانية التي صاح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في آذانكم لم تكن صيحة مفاجئة للكون ولكنها صيحة بشر بها على كل لسان رسول. وإذا كنتم قد بعدت صلتكم بالرسل والأنبياء وكنتم على فترة من الرسل، فإن بجواركم أهل كتاب في المدينة يعلمون هذه الحقيقة التي جاء بها رسلهم مؤكدين للعهد الذي أخذه الله عليهم. فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق، وخلقهم واستعمرهم في الأرض ليكونوا موهوبين من قدرة الله قدرة، ومن غنى الله غنى، ومن علم الله علما، ومن حكمة الله حكمة، ومن رحمة الله رحمة، ومن قاهرية الله قهرا، لأن الكون لا يمكن أن يستقيم إلا إن وجد فيه هذه المتكاملات وإن كانت متناقضة. فالإنسان منا حين يرحم ولده إن لم يقسو عليه مرة فأبوته ناقصة. إذا فلا يكفي أن يكون المهيمن على الخلق من الخلق رحيمًا فقط، وإنما يجب أن يكون قاهرًا أيضًا لأن الموقف قد يتطلب القهر. وقلنا إن الحق سبحانه وتعالى لا يريد أن يتبع خلقه على خلق واحد. ولكنه يريد ان يجعلهم ينفعلون للمواقف، فالموقف الذي يتطلب رحمة يكونون رحماء، والموقف الذي يتطلب قسوة وشدة يكونون قساة، ولذلك يقول في المؤمنين أشداء على الكفار رحماء بينهم، فلم يطبعهم على شدة لأن المواقف قد تتطلب الرحمة، ولم يطبعهم على رحمة لأن المواقف قد تتطلب شدة. إذا فقول الحق كذلك أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين لم يجعل الحق المؤمن ذليلا على الإطلاق ولا عزيزا على الإطلاق ولكنه جعله ذليلا على أخيه المؤمن لين الجناح رحب الأخلاق وجعله عزيزا على الكافرين المتأبين على الله. إذا فالحق يريد من خلقه أن يكونوا على خلق الحق سبحانه وتعالى ولذلك يقول الرسول تخلقوا بأخلاق الله. فلله قدرة تستعمل بحكمة فخذوا مني قدرة واستعملوها بحكمة ولله علم فحاولوا ان تكونوا عالمين ولله رحمة فحاولوا ان تكونوا رحماء والله جبار فإذا تطلب الموقف منكم ان تكونوا جبارين فافعلوا لان سياسة الارض وسياسة المجتمع لا تصلح الا بهذا وما دام الحق قد اراد من الخلق ان يعمروا هذا الكون فلا بد ان يضمن لهم منهجا سليما يتركز في افعل كذا ولا تفعل كذا فإن نحن أخذنا منهج الله الذي سميناه بقانون العرف الحاضر قانون صيانة فلنفعل ما قال الله افعلوا ولنترك ما قال الله لا تفعلوا، إن صنعنا ذلك أدت الآلة الإنسانية مهمتها كما يريدها الله، والفساد إنما ينشأ من أنك تجعل الأعمال التي في نطاق افعل تجعلها أنت في نطاق لا تفعل، والأعمال التي تجعل التي يجعلها الحق في نطاق لا تفعل تجعلها أنت في نطاق افعل، فإن طلب أن نقيم الصلاة بافعل صلوا، نجعلها في نطاق لا تصلوا، إن طلب منا ألا نشرب الخمر ونهانا نجعلها في نطاق افعل، إذا فالخلل الإيماني الذي يحدث في الكون ينشأ من نقل متعلقات افعل في لا تفعل، ومن نقل متعلقات لا تفعل في افعل، وما لم يرد فيه افعل ولا تفعل فقد ترك الله لاختيارك إباحة تفعلها أو لا تفعلها، ولا يفصد الكون بشيء منها وإذا ما نظرت إلى منهج الله في افعل ولا تفعل وحصرتها وجدت ما تركه الله بدون افعل ولا تفعل أكثر مما حصره الله في ايه؟ افعل فهو لم يقضي على حريتك، لم يقضي على اختيارك، وإنما فقط ضبطك ضبطا محكما فيما ينشأ فيه فساد الكون، أما الذي لا ينشأ منه فساد فإن شئت فافعله وإن شئت فاتركه، هذا المنهج لابد أن يزود الله به خلقه من لدن آدم. ثم يواصل هذا إلى أن تقوم الساعة، ليه؟ لماذا؟ لأن الإنسان من الغفلة بمكانة بحيث الشيء الذي يحدد حريته وحركته في افعل ولا تفعل يحاول أن يتناساه مرة حتى ينساه. فيشاء الحق أنه بعد كل فترة يرسل رسولا ينبهه إلى قانون صيانة الإنسان. ولذلك أخذ الله ميثاق النبيين. لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، اذا فكل رسول سابق اخذ الله عليه العهد ان ياتي الرسول بعده فيجعله اول المؤمنين به، طب اذا لم يدركه، اذا لم يكونوا متعاصرين يعطي منهجه لمن يتبعونه حتى اذا ما جاء رسول على من تبع الرسول السابق يكون قد علم مقدما ان رسولا سياتي وانه يجب من كمال ايمانه ان يؤيد ذلك الرسول.

موضوعات هذا المقطع (7)

  1. بشارة الرسل بمحمد صلى الله عليه وسلم ومعرفة أهل الكتاب به · 0:00
  2. تفسير قوله تعالى: "الذين خسروا أنفسهم" وحقيقة غنى الله عن خلقه · 4:52
  3. حكمة إرسال الرسل وضبط حركة الإنسان بمنهج الأمر والنهي · 8:10
  4. أثر التمسك بالسلطة الزمنية في صد أهل الكتاب عن الإيمان · 14:27
  5. أسرار الكون وقوانينه بين البحث المادي وأحكام الشرع · 16:56
  6. فصل النبوة بين الشأن التشريعي والخبرة الدنيوية في حديث تأبير النخل · 26:10
  7. جحود أهل الكتاب دفاعاً عن مكاسبهم الدنيوية وبيان خسرانهم · 33:21