أرشيف الشعراوي

استخلاف الإنسان والحكمة من تشريع الأشهر الحرم لحقن الدماء

سورة التوبة · الآية 36 · تفسير سورة التوبة — الآية 36 · 4:15 – 11:23

نص الفقرة — تفريغ آلي

نتائج من التفريغ الآلي — قد تحتوي على أخطاء

وقلنا إن الحق سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان خليفة في الأرض، جعله يقبل على كون معد له إعدادا حكيما، فقدر في الأرض أقواتها، وجعل الشمس والقمر، وأنزل المطر، فكل ما به قوام الإنسان سبق الإنسان إلى الكون. والإنسان كما قلنا هو الخليفة، وله حركة، وهذه الحركة هي الأحداث التي تقع منه أو تقع فيه أو تقع عليه. والأحداث كما قلنا تتطلب زمانًا وتطلب مكانًا، ظروف. إذن فالحياة كلها تفاعل بين حركة الإنسان الخليفة وبين الأحداث في الزمان والمكان. الحق سبحانه وتعالى كما قدر في الأرض أقواتها استبقاء لحياة ذلك الإنسان أنزل له القيم التي تقيم معنويات حياته. وهذه القيم يريد الحق بها أن تتساند حركة الأحياء ولا تتعاند. ومعنى التساند أو التعاند في الحركة أن تأتي حركة من إنسان وتأتي حركة من إنسان آخر، الحركتان يتساعدان في إنجاز شيء نافع للإنسان، فإن تعارضت الحركتان ظهر الفساد، واحد يبني وواحد يهدم، إذن فلا بد من تقنين يضمن أن تتساند حركات الإنسان ولا تتعاند، هذه الحركات يجب حين تتساند أن يكون لها هدف واحد من مقنن واحد، فإذا كانت لها أهداف متعددة من مقننين متعددين تصادمت أهواء البشر، ولذلك يقول الحق: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض. الحق سبحانه وتعالى يريد في الكون حركتين، حركة تحقق السلام فيه والأمن والطمأنينة، ولكن حركة السلام والأمن والطمأنينة لا تستقيم إلا إذا التزم كل إنسان من الخلفاء في الأرض بمنهج الله. حينئذ يوجد سلام دائم مستوعب، مستوعب لسلام الإنسان مع نفسه، مستوعب لسلام الإنسان مع أخيه الإنسان، مستوعب لسلام الانسان مع الكون، مستوعب لسلام الانسان مع الله. لكن الانسان الذي خلقه الله مخيرا، ويعطيه التكليف، ومن الممكن ان يطيع ومن الممكن ان يعصي. الحق سبحانه وتعالى ضمن للسلام ضمانا، وهو ان توجد قوة في الارض تقف امام الفساد في الارض. اذا فمساله الحرب لابد ان يكون لها وجود في ذلك الكون. ما دام للإنسان اختيار. أما الأشياء التي لا اختيار فيها فلا تقنين لها، لأنها لا اختيار. الشمس، القمر، المطر، كل هذا لا تقنين له إلا بالقهر. ليه؟ لأنه ليس له اختيار، أما الذي له اختيار فلا بد أن نضمن للاختيار سلامة. هذه السلامة إذا انحرف إنسان عن الجادة يوجد إنسان مثله يضرب على يده حتى يرجعه إلى الجادة. وقلنا ان الاحداث تريد من الانسان الحركه والحركه لها زمان ولها مكان. فأراد الحق سبحانه وتعالى ان يضع في الزمن وفي المكان حواجز. هذه الحواجز تقف امام طغيانات النفوس. فجعل في الزمان اشهرا حرما. يبقى سلام قهري قسري ينهي كل خلاف. وجعل في المكان اماكن حرم. يبقى العنصرين عنصر الزمان وعنصر المكان، جعل في الزمان أشهر حرم وجعل في المكان مكان حرم، لماذا؟ حتى يجعل للإنسان مع أخيه الإنسان فرصة، هذه الفرصة تداري عزة النفوس، بمعنى أن الإنسان حينما يتحارب مع أخيه الإنسان الحرب تنهكه دما وتنهكه مالا وتنهكه قوه وتنهكه عتادا فالانسان امام هذه الانهاكات يضعف ولكنه امام عزه نفسه امام خصمه يريد ان يستمر في الحرب حتى لا يظهر امام خصمه بانه ذل امامه فيشاء الله برحمته من خلقه ان يجعل في الزمان وفي المكان اشياء قال احرم فيها القتال حتى إذا حرم القتال لا يقول واحد أن فلاناً وقف عن القتال لأنه يخافني أو لأنني أقوى منه، لا يقول له ده ربنا اللي قال أنا أنا كفيت عن الحرب لأن ربنا اللي قال. يبقى إذاً دي تداري مين؟ تداري عزة الإنسان مع أخيه الإنسان زماناً ما كان، تقول مثلاً فلان اعتدى علي، أه لو لم يدخل الحرم والله لتتبعته ونكلت به نكالاً، ولكنه دخل الحرم، وما دام دخل الحرم يبقى معناه أنه صان نفسه، يبقى منعه عن الشر ليه؟ بصيانة نفسه عن المهانة والذلة والانكسار أمام غيره. كذلك في الزمان حرب تستشهد ويقف كل واحد أمامه وبعد ذلك تنهكهم جميعا ولكن عزة النفس وأخذها بالاسم تقول لا لابد أن نستمر فيأتي الحق سبحانه وتعالى ويقول أنا خالقكم وأنا الرحيم بكم فسأجعل لكم من الزمان زمانا أحرم فيه القتال فاستتروا وراءه وكفوا عن القتال. هذه هي الرحمة.

موضوعات هذا المقطع (14)

  1. معايير الزمن الكونية بين الشمس والقمر في القرآن الكريم · 0:01
  2. استخلاف الإنسان والحكمة من تشريع الأشهر الحرم لحقن الدماء · 4:15
  3. التمايز بين التقويم الدنيوي للمصالح والتقويم القمري للعبادات · 11:24
  4. فلسفة الحرب والسلام في الإسلام وضوابط القتال في الأشهر الحرم · 16:03
  5. دلالة 'في كتاب الله' والنهي عن الظلم في الأشهر · 22:19
  6. التوجيه اللغوي لقوله تعالى 'فلا تظلموا فيهن أنفسكم' ودلالات الجمع · 25:42
  7. حكمة التقويم القمري في تدوير العبادات وتكافؤ المشقة · 30:22
  8. دوام العبادة والصلاة في الأرض بارتباط اليوم بالشمس · 33:33
  9. أوجه الإعجاز البياني والعلمي في مشارق الأرض ومغاربها · 37:37
  10. بيان السنة للأشهر الحرم والتفرقة بين العدد والمعدود ودفع الشبهات · 40:14
  11. دقة النظام الكوني للزمن منذ خلق السماوات والأرض · 46:17
  12. معنى 'ذلك الدين القيم' ومفهوم الانقياد والتسليم لله · 47:29
  13. الأمر بقتال المشركين كافة وضرورة وحدة أهل الحق أمام الباطل · 50:17
  14. مراتب اليقين ومقتضى معية الله للمتقين · 55:33