أرشيف الشعراوي

بلاغة الإبهام في القرآن الكريم ومثال شجرة الزقوم

سورة النازعات · الآيات 1–5 · تفسير سورة النازعات — الآيات 1–5 · 19:08 – 24:12

نص الفقرة — تفريغ آلي

نتائج من التفريغ الآلي — قد تحتوي على أخطاء

حين ننظر إلى قسم الحق نجد هنا غموض وهنا إبهام والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً والسابحات سبحاً، فالسابقات سبقاً فالمدجرات أمراً. أقسام بأشياء، إلا أن هذه الأشياء يكتنفها الغموض. مما يذهب فيها الذهن مذاهب شتى. والابهام ذلك قصد من مقاصد البيان. لماذا؟ لانه لو بين لجاء على وجه واحد. ولكنه حين يبين يذهب الفكر مذاهب شتى ليتسير ما هي النازعات؟ وما هي الناشطات؟ فيجد النازعات تفسر على معان متعدده، والناشطات تفسر على معان متعدده، والسابحات تفسر على معان متعدده، والسابقات تفسر على معان متعدده، وكلها مما يحتمله اللفظ. إذا فإذا رأيت في القرآن إبهاما لشيء فاعلم أن ذلك الإبهام مقصد من مقاصد البيان. لأن الشيء إذا بينا يبين على وجه واحد، والحق يريد أن يذهب فكرك فيه مذاهب شتى. وكل مذهب فيه تجد النص يسعفه ويكمله، إذا فالبيان يحدد والبيان والإبهام يعذب. شرحنا ذلك مرة عند قول الحق سبحانه وتعالى في وصف شجرة الزقوم. إن شجرة الزقوم طعام أثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم، شجرة الزقوم مسألة في النار. والنار لا تزال عندنا غيب، إحنا ما بنؤمنش بها إلا لأن الحق قال بها. إذا فنحن لا نعرف شجرة الزقوم، وما دمنا لا نعرف شجرة الزقوم، فكان من الواجب أنها تبين لنا بشيء نعرفه. وذلك شأن التشبيه في اللغة. التشبيه يأتي بشيء معلوم لك ليلحق به شيئا مجهولا. فإذا قلت زيد كفلان فكأن فلان هذا معلوم لك، وزيد مجهول، فأنت تريد أن تعطي صورة عن زيد تقول له صورة عن زيد هي مثل فلان أو الذي تعرفه. إذا فالتشبيه لازم يلحق مجهول بمعروف، لكن شجرة الزقوم في النار ولا نعرفها، فلما جاء الحق ليعطينا تشبيها لها، ماذا قال؟ قال عها كأنه رؤوس الشياطين، ورؤوس الشياطين لم نرها. إذا فهنا تشبيه مبهم بمبهم. وما دام هنا تشبيه مبهم بمبهم فتبقى الآية ما ادتنيش حاجة، لأن دي النظرة السطحية. إنما النظرة الدقيقة اللي تنظر إلى الكلام على أنه كلام الله وفيه أسرار ويجب على العقل أن يستنبطه وعلى قدر يقظة العقل يقرظه منها ما يراد علمت أن ذلك الإبهام هو غاية البيان. كيف ذلك؟ قال لك لأن الله لو مثل طلع شجره الزفقوم بشيء بشع مفزع مخيف قبيح نعرفه فقد حدد القبح والبشاعه في شيء واحد نعرفه. والكف والبشاعه مما تختلف فيه الانظار. فقد يكون الشيء بشعا عند واحد وغير بشع عند الاخر. قد يكون الشيء جميلا عند قوم وغير جميل عند اخرين. فمثلا نجد الذنوب عندهم من علامه الجمال كبر الفم وغلظ الشفاه. ودين في الاوساط التناشئ قديم. اذا فالبشاعة مما تختلف فيه الانظار. وضربنا لذلك مثلا وقلنا اذا قلنا لرسامي الكاريكاتور في العالم سنصنع مسابقة لكم في رسم صورة للشيطان. وجاء مليون رسام واخذوا ريشهم والوانهم واوراقهم وظل كل واحد يتخيل البشاعة في الشيطان ليرسمها لنا. ثم استقبلت لجنة التحكيم الرسومات المختلفة. لمن تعطي الجائزه؟ تعطي الجائزه لاقبح صوره. يبقى الذي جاء باقبح صوره هو اللي ناجح. لكن اذا استعرضت الصور وقارنتها بعدها تجدها صور مختلفه في البشاعه. ده راى البشاعه في ان يجعل عينيه مشقوقه هكذا. وهذا راى البشاعه في ان يجعل له قرود، وهذا راى البشاعه في انه يعمل له عين واحده. الشورى البشعه اللي يتخيلها. اذا فالبشاعات تختلف فيها الانظار، فلو ان الحق مثل طلع شجره الزقوم بشيء بشع محدد لحدد البشاعه بشيء بطرف واحد. ولكنه حين قال رؤوس الشياطين، رؤوس الشياطين يتوهمها الناس على اختلاف مذاهبهم، كل يتوهمها بالبشاعات التي تبدعه، اذا فستتعدد الوان البشاعه. وما دامت تعددت الوان البشاعه يبقى ذلك ايه بيان ولا ابهام؟ انه عين عين البيان.

موضوعات هذا المقطع (10)

  1. مراجعة مضامين سورة النبأ وجزاء المكذبين والمتقين · 0:01
  2. إثبات الحقيقة بالشهادة واليمين والمناسبة بين سورتي النبأ والنازعات · 1:45
  3. أركان أسلوب القسم وعناصره في القرآن الكريم · 6:00
  4. الفرق بين قسم المخلوق وقسم الخالق سبحانه وتعالى · 7:21
  5. حكمة قسم الله ببعض مخلوقاته وبيان أسرارها · 10:53
  6. مواضع قسم الله بذاته وبمخلوقاته والمحلوف عليه في القرآن · 15:03
  7. بلاغة الإبهام في القرآن الكريم ومثال شجرة الزقوم · 19:08
  8. تفسير فواتح سورة النازعات بالملائكة ونزع أرواح الكفار والمؤمنين · 24:12
  9. تفسير فواتح سورة النازعات بحركة الكواكب والنجوم وتدبير الأمر · 28:16
  10. تفسير فواتح سورة النازعات بجياد وخيل الجهاد وثمرة تعدد المعاني · 32:46